محمد بن جرير الطبري
63
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
القمر وتنكدر النجوم ؛ وحذف ذلك من الكلام لفهم السامعين من أهل لسان من نزل بلسانه القرآن معناه ، وأن " كل " لا بد لها من إضافة إلى ما تحيط به . وبنحو الذي قلنا في قوله لِأَجَلٍ مُسَمًّى قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى قال : الدنيا . وقوله : يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يقول تعالى ذكره : يقضي الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها أمور الدنيا والآخرة كلها ، ويدبر ذلك كله وحده ، بغير شريك ولا ظهير ولا معين سبحانه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يقضيه وحده . قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، بنحوه . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، بنحوه . وقوله : يُفَصِّلُ الْآياتِ يقول : يفصل لكم ربكم آيات كتابه ، فيبينها لكم احتجاجا بها عليكم أيها الناس ، لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ يقول : لتوقنوا بلقاء الله ، والمعاد إليه ، فتصدقوا بوعده ووعيده ، وتنزجروا عن عبادة الآلهة والأوثان ، وتخلصوا له العبادة إذا تيقنتم ذلك . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ وأن الله تبارك وتعالى إنما أنزل كتابه ، وأرسل رسله لنؤمن بوعده ، ونستيقن بلقائه . القول في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ . . . إِنَّ فِي ذلِكَ يقول تعالى ذكره : والله الذي مد الأرض ، فبسطها طولا وعرضا . وقوله : وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ يقول جل ثناؤه : وجعل في الأرض جبالا ثابتة ؛ والرواسي : جمع راسية ، وهي الثابتة ، يقال منه : أرسيت الوتد في الأرض : إذا أثبته ، كما قال الشاعر : به خالدات ما يرمن وهامد * وأشعت أرسلته الوليدة بالفهر يعني : أثبتته . وقوله : وَأَنْهاراً يقول : وجعل في الأرض أنهارا من ماء . وقوله : وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ف " من " في قوله وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ من صلة " جعل " الثاني لا الأول . ومعنى الكلام : وجعل فيها زوجين اثنين من كل الثمرات . وعنى بزوجين اثنين : من كل ذكر اثنان ، ومن كل أنثى اثنان ، فذلك أربعة من الذكور اثنان ومن الإناث اثنان في قول بعضهم . وقد بينا فيما مضى أن العرب تسمي الاثنين زوجين ، والواحد من الذكور زوجا لأنثاه ، وكذلك الأنثى الواحدة زوجا وزوجة لذكرها ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . ويزيد ذلك إيضاحا قول الله عز وجل : وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى فسمى الاثنين الذكر والأنثى زوجين . وإنما عنى بقوله : مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ : نوعين وضربين . وقوله : يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يقول : يجلل الليل النهار فيلبسه ظلمته ، والنهار الليل بضيائه . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ : أي يلبس الليل النهار . وقوله : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ يقول تعالى ذكره : إن فيما وصفت وذكرت من عجائب خلق الله وعظيم قدرته التي خلق بها هذه الأشياء ، لدلالات وحججا وعظات ، لقوم يتفكرون فيها فيستدلون ويعتبرون بها ، فيعلمون أن العبادة لا تصلح